المنتدى الأطياف الطيف العام سكر المدينه يتعطر للموت..قصه واقعيه..

مشاهدة مشاركة واحدة (من مجموع 1)
  • الكاتب
    المشاركات
  • #1399
    الاثنين, 23 يونيو 2008
    عبدالرحيم الحدادي – المدينة المنورة

    ما أصعبه الصباح الذي استقبلته هذه الأم المكلومة التي استأثرت بحبيبها «إبراهيم»! ورفضت إلا أن ينام هذه الليلة في فراشها وكأنها ترى بقلبها أن هذا اليوم هو آخر الأيام وأنها بحاجة لإطلالة طويلة ومشبعة على ملامح الابن البار الذي منحته التربية وأهداها الحب الكبير. سيناريو غريب يحكي شفافية الأم وصغيرها أيضا، فإبراهيم «سكر المدينة المنورة» كما أطلق عليه معلموه تزيَّن في هذا اليوم وتعطَّر وارتدى رداءه الجديد على غير عادته وكأنه يساق بلا إرادة منه إلى عرس كبير تحضره ملائكة السماء. أما هي فلم تنم في يومها واكتفت بأن تطل عليه وهو مغمض الجفنين وتتمتم بكلمات غريبة على اللسان وتسقط على وسادتها دموعا لا تدري هي لماذا تنساب اليوم؟
    بهذا المشهد الصامت نبدأ الحكاية.. حكاية إبراهيم نزار «طالب بالصف الأول الثانوي» رجل البيت والقائم على شؤونه الذي وافته المنية فجر الاثنين الماضي بعد أن أنهى مذاكرته في مادة الحاسوب في ثالث أيام الاختبارات النهائية.. موت هادئ لم يسبقه صخب الألم ولا صرخات الوجع العالية، ورحيل يلائم طبيعة الشاب الخلوق الذي شهد له الجميع بهدوء الطباع، فإبراهيم استذكر دروسه وأدى فروض الصلاة وقاسم أمه طعام العشاء ورغم تكرار هذه المفردات في كل يوم إلا أن اللافت حقا ما أشاعه إبراهيم في اليوم الأخير من أجواء سعيدة وكأنه أراد أن يترك في كل ركن من أركان البيت بسمة ناطقة باسمه، وضحكة يستعيدها من أحبوه بعد الرحيل. هذان هما البطلان.. أم وابن ومن خلف قضبان سجن المدينة يقف البطل الثالث الأب الذي هزته الفاجعة وأحالته إلى بقايا إنسان وجعلته يلعن الضائقة المالية التي حكمت عليه بالإقامة داخل هذا المحبس الأسمنتي بل وحرمته من رؤية ابنه الغالي قبل وداعه دنيا الحياة.

    لحظة الموت

    في مساء الأحد طلب إبراهيم من أمه أن توقظه مبكرا حتى يستطيع مراجعة دروسه وأن تدعو له، فامتحان الحاسوب يحتاج لتركيز ويقظة فإذا بالأم تدعوه للنوم بجوارها، وبالفعل وضعت يدها على رأسه وأخذت في الدعاء له، وعند أذان الفجر نادته فلم يلتفت وهزته فلم تشعر بحراكه فما كان منها إلا البكاء الطويل والدعاء الممزوج بهزة الفراق وهي تضع الملاءة على الوجه الجميل الذي اعتاد أن يهديها البسمة مع كل فجر جديد، فجاء الفجر وغابت البسمات.
    ساعات بسيطة وانتقل الخبر المفجع إلى معلمي وزملاء ثانوية عبدالعزيز الربيع وبات كل منهم يتناقل الخبر المفجع خبر رحيل «السكر» الذي تحمَّل مسؤولية أسرته في وقت مبكر بعد أن قبع والده في السجن لمطالبة حقوقية مالية، وسافر أخوه الأكبر مرافقا شقيقته التي تدرس الماجستير بماليزيا وغاب شقيقه الآخر للدراسة في الهيئة الملكية بينبع. نعم هو رجل البيت يقوم بإحضار متطلبات المنزل ويوصل شقيقاته لمدارسهن وكذلك والدته المعلمة بالمدرسة السادسة الابتدائية ثم يذهب لمدرسته بثانوية عبدالعزيز الربيع ورغم كل هذه المسؤوليات التي ألقتها الأيام على عاتق الصغير حافظ إبراهيم على تفوقه الدراسي وجاوب في آخر اختبار له في مادة الأحياء وحصل على جميع درجاتها ولكن لم يكن يعلم أن كرسيه في الحاسوب سيكون خاليا في صباح ذلك اليوم.

    ماذا قال الأب؟

    نزار محمد سالم «والد الفقيد» قال: لقد نزل عليَّ خبر وفاة إبراهيم كالصاعقة وأنا داخل السجن على ذمة حقوق مالية حيث انهرت في وقتها ووقف بجانبي بعض النزلاء وواسوني وقدموا لي العزاء ثم تقدمت بطلب للمسؤولين عن السجن حيث خرجت بكفالة حضورية وحضر زوج ابنتي وأخرجني من السجن وعند مشاهدتي لإبراهيم وهو على فراش الموت لم أكن أصدق أنه مات رغم يقيني أن الموت حق، لأنني وجدت ابني نائما وهو مبتسم وغسلناه وصلينا عليه صلاة العصر ودفن ببقيع الغرقد.. وأضاف: إبراهيم كان يعشق تربية الحمام ويقوم بجمع فضلات الطعام من المنزل ويضعها للحمام في البرحة المجاورة للمنزل ويفعل ذلك يوميا وأثناء دفنه وجدنا أكثر من ألفي حمامة غطت وظللت قبر ابني إبراهيم.

    الأم المكلومة

    والدة إبراهيم قالت: ابني إبراهيم هو الأصغر من الذكور حيث لدي محمد هو الابن الأكبر وهو في ماليزيا مع شقيقته للدراسة، وأخ بعد محمد وهو سلطان يدرس في ينبع، وزوجي أبو عيالي في السجن على ذمة مبالغ مالية، ولم يتبقَّ لنا في المنزل غير إبراهيم هو ر جل البيت وهو من تحمَّل المسؤولية عن والده المسجون وإخوته المغتربين وكان مجتهدا ومثابرا في دروسه، وفي ليلة وفاته وبعد أن أنهى مذاكرته قام واستحم ولبس ملابس جديدة وطلب مني أن ينام في غرفتي وعلى سريري، وقبل أن ينام، قال «أمي.. نفسي أزور أبوية» وكان ذلك قبل صلاة الفجر بساعات وعند الساعة الخامسة فجرا أيقظه من النوم ووجدته مبتسما وعيناه مغمضتان وتوقعت أنه يداعبني وأقول له «قوم يا ابني الساعة خمسة» ولكنه لم يجبني، وتركته وذهبت لأخواته ثم رجعت إليه وهو كما تركته مبتسما وعيناه مغمضتان حركته يمينا وشمالا ولكن دون أي نتيجة بعدها عرفت أنه قد توفي.

    مشاعر حزينة

    مدير مدرسة ثانوية عبدالعزيز الربيع عادل حمدان الغامدي، قال: إبراهيم من الطلاب النجباء ومنذ أن التحق بالمدرسة وحتى قبل وفاته لم أسمع عنه إلا كل شيء طيب ونحن في لجنة الاختبارات نعطي الوقت المسموح للتأخير والحقيقة أن تأخيره حتى بداية توزيع ورقة الأسئلة أثار لدينا بعض المخاوف وقام وكيل الثانوية الأستاذ أكرم الأحمدي بالاتصال على منزل الطالب إبراهيم نزار على الهاتف الثابت وعرف من الاتصال أن هناك بكاءً وصراخا ولكن لم نكن نتوقع أن هناك وفاة.

    وشاركه أكرم أحمد الأحمدي «وكيل الصف الأول الثانوي» قائلا: لقد تأثرنا كثيرا بسماع خبر وفاة الطالب إبراهيم نزار سالم وهو من الطلاب الجيدين وممن زرع في قلوبنا البسمة والفرح طوال العام الدراسي حيث لم نعتد تأخيره ولم يتغيب قط عن الدراسة وفي صباح يوم الاثنين وفي اختبار مادة الحاسب الآلي وبحكم أنني وكيل الصف الأول ثانوي وبعد أن أخذ جميع الطلاب مواقعهم على مقاعدهم في صالة الاختبارات وجدت كرسي الطالب إبراهيم نزار سالم خاليا.

    أصدقاء إبراهيم

    أحمد أيمن أصدقاء إبراهيم ورفقاء قاعات الدرس أجمعوا على أنهم خسروا صديقا غاليا لهم، مؤكدين أنه كان طالبا ممتازا منذ المرحلة المتوسطة ويتميز بروحه المرحة والابتسامة التي لا تغيب، ومع زحام الأسئلة التي قدمناها لهم، لم يستطيعوا الجواب، واكتفوا بأن تكون دموعهم شاهدة على مكانته في قلوبهم.

    (( المصـدر ))
    جريـدة المدينة

مشاهدة مشاركة واحدة (من مجموع 1)
  • يجب تسجيل الدخول للرد على هذا الموضوع.