المنتدى المنتديات العلمية القرآن الكريم وعلومه منتدى القرآن العام سلسة تأملات في سورة الكهف..الشيخ/أحمد محمد الشرقاوي الجزء الرابع..

مشاهدة مشاركة واحدة (من مجموع 1)
  • الكاتب
    المشاركات
  • #1128

    bismillah.jpg

    السلام عليـــــــــــــــــكم ورحمــــــــة الله وبركـــــــــــــــــــاته

    في كنف الرحمن :

    ] وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا {17}

    انطلق الفتية نحو الكهف ، واتخذوه مأوى إلا أن يقضي الله أمرا ، وقد كان فتنـزلت الرحمات ولاحت الكرامات وهبت نسائم النفحات حين اتخذوا مضاجعهم في هذا الكهف الموحش وخلدوا في نوم عميق فهيأ  لهم أسباب البقاء ووسائل السلامة ليجتازوا بنومهم حواجز السنين ، وتتعاقب القرون ، وتسَّاقط ممالك ، وتتبدل أجيال وهم في سبات رهيب لم ينهضوا منه إلا بعد مئات السنين . وقد حجب  عنهم ضوء الشمس فلا تصيبهم فتراها وقد مالت عنهم عند طلوعها وتجاوزتهم عند غروبها ، بقدرة من أجراها وسخرها .قال الزمخشري : ” المعنى أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح معرض للشمس لولا أن  يحجبها عنهم ” ( ) .

    وقيل إن باب الكهف كانت من جهة الشمال فكنت الشمس تطلع على يمين الكهف وإذا غربت كانت على شماله فضوء الشمس لم يكن يصل إليها البتة لكن الهواء الطيب والنسيم العليل كان يصل . ( )

    ( وهم في فجوة منه ) أي متسع ، وقيل كانت يصيبهم شيء قليل وقدر ضئيل من أشعتها بقدر ما تنتفع به أجسادهم أورد ذلك الرأي أبو حيان وعزاه إلى أبي علي الفارسي فقال : ” قال أبو علي : ” معنى تقرضهم تعطيهم من ضوئها شيئا ثم تزول سريعا كالقرض يسترد والمعنى أن الشمس تميل بالغدوة وتصيبه بالعشي إصابة خفيفة … قيل ولو كانت الشمس لا تصيب مكانهم أصلا لكان الهواء يفسد ويتعفن ما في الكهف فيهلكوا ، والمعنى أن الله تعالى دبر أمرهم فأسكنهم مسكنا لا يكثر سقوط الشمس فيه فيحمى ولا تغيب عنه غيبوبة دائمة فيعفن ” . ( )

    أقول : وفي هذا رد على من زعم أن الملك لما طلبهم ووصل إلى مكانهم أمر بسد الباب عليهم حتى يموتوا فهذا الكلام مخالف لظاهر الآيات .

    وجاء في مجلة العربي الكويتية ( ) ” عن عالم الآثار الأردني الذي أعلن أنه اكتشف مكان الكهف( رفيق وفا الدجاني ) قال : درست فجوات الكهف و خاصة موضع دخول الشمس إليه فتبين أن فتحة الكهف الجنوبية كان اتجاهها جنوب غربي ، فإذا وقف شخص داخل الكهف في وقت الأصيل تزاورت الشمس عن الكهف ذات اليمين ، و مرت أشعة الشمس بقوتها أمام الشخص الواقف تكشف المرائي و الآفاق .

    و حين تتوسط الشمس السماء لا يدخل الكهف منها شيء ، و إذا مالت نحو الغروب دخل قسم من أشعتها فجوة الكهف .
    و بتفسير أوضح إن الشمس تبعد أشعتها عند بزوغها و تميل عنه في غروبها ، بسبب اتجاه فجوة الكهف إلى الجنوب الغربي .

    ومن أسرار التعبير القرآني قوله عز وجل ( وترى الشمس ) ذلك لأن الكثير من الظواهر الخاصة بالشمس إنما تكون بحسب الرائي وبطبيعة المكان وبإمكانية الرؤية فهو وصف لرؤية العين ، وإدراك الرائي.. وليس للحقيقة العلمية الخاصة بالشمس فى علاقتها بالأرض ودورانها ، وحقيقة المعنى العلمي للشروق والغروب وغير ذلك من الظواهر .

    لذا نقرأ في نفس السورة الكريمة في قصة ذي القرنين رحمه الله قوله تعالى ]حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا {86} فالشمس أعظم من أن تحتويها الأرض أو تحيط بها.

    والشمس آية من آيات الله وجند من جنوده التي لا يعلمها إلا هو .
    ] ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا {17}
    أي ما حدث لهم من لطائف ربانية ومنن إلهية من آياته عز وجل الدالة على عنايته بأوليائه وحفظه لهم ، والشاهدة بكمال قدرته ، وجلائل نعمه ولطائفه التي لا تحصى ولا تعد .
    ] من يهد الله فهو المهتد و من يضلل فلن تجد له وليلاً مرشدا  فالهداية من الله يمن بها على من يشاء فمن شاء الله هدايته هداه ومن هداه تعالى فهو المهتد فلا هادي إلا الله ولا هداية إلا من الله ، ومن كتب الله له الشقاء وحكم عليه بالضلال فلا هادي له ولو اجتمعت الأمة بأسرها عليه فلا تجد العبر ولا تغن النذر .

    ]وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا {18}
    و قوله: «و تحسبهم أيقاظا و هم رقود» الأيقاظ : جمع يقظ و يقظان و الرقود جمع راقد و هو النائم ، و في الكلام إشارة إلى أنهم كانوا مفتوحي الأعين حال نومهم كاليقظان ، والحكمة في ذلك حفظ أبصارهم أن تتجمد في المآقي وتلتصق الأجفان بطول المدة .

    و قوله: ( و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال) لئلا تأكلهم الأرض، و لا تبلى ثيابهم، و لا تبطل قواهم البدنية بالركود و الخمود طول المكث.
    حتى لا تترسب الأملاح في جهة واحدة فتتآكل أجسادهم وتتعرض للتلف والتعفن .

    فائدة :

    وقد ذكر الأطباء : أن من الإصابات الشائعة و الصعبة العلاج مشكلة حدوث ما يسمى بقرحة السرير ، عند المرضى الذين تضطرهم حالتهم للبقاء الطويل في السرير كما في كسور الحوض و العمود الفقري أو الشلل أو حالات السبات الطويل و هذه عبارة عن قرح وموت في خلايا الجلد و الأنسجة بسبب نقص التروية الدموية عن بعض مناطق الجلد ، نتيجة انضغاطها بين الأجزاء الصلبة من البدن و مكان الاضطجاع و أكثر ما تحصل في المنطقة العجزية و الأليتين و عند لوحي الكتفين و كعبي القدمين ، و لا وقاية من حدوث هذه القرح سوى تقليب المريض ، و قد تكون هذه هي الحكمة من تقليب الله عز و جل لأهل الكهف لوقايتهم من تلك الإصابة و إن كانت قصة أهل الكهف كلها تدخل في نطاق المعجزة !!. ( ) . وهذا من لطف الله بأهل الكهف .

    وزعم أحد الباحثين أن الله –جلّت قدرته- قد أوقف وظيفة السمع ضمن وقف جميع الوظائف العضوية لأجسامهم بصفة وقتية، فلم تبصر العين بالرغم من كونها مفتوحة (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ)، ولم تتحرك العضلات بالرغم من أنهم أحياء (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ)، ولم تتغير هيئتهم على الرغم من مرور سنين عددًا عليهم بالكهف (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)، وحالتهم هذه تقارب حفظ أعضاء الإنسان بطريقة وقف العمليات الحيوية والتي تتمّ غالبًا بالتبريد، وهي تستخدم الآن بشكل واسع في العالم.
    وتشير المراجع العلمية إلى أن التعرُّض للبرودة الشديدة يؤدّي إلى انخفاض كبير في درجة حرارة الإنسان، والشخص الذي انخفضت حرارته انخفاضًا كبيرًا يصبح شبيهًا بالميت، إلا أنه يكون محميًا إلى حد ما من نقص الأوكسجين وانخفاض ضغط الدم وفشل الدورة الدموية، وفي حالات عديدة.. فإن الشفاء التامّ قد يحدث؛ خاصة للشباب من هذه الحالات، ولهذا لا يجب اعتبار أي إنسان تعرّض للبرودة الشديدة وانخفضت درجة حرارته انخفاضًا شديدًا ميتًا، وذلك حتى يتمّ دفنه تمامًا، وإجراء الإسعافات اللازمة له، وقد أصبح اليوم لحفظ الأعضاء ضرورة كبيرة… ولو أن أهل الكهف كانوا نيامًا فقط لاحتاجوا إلى الماء والغذاء، ولأيقظتهم الحاجة إلى التبوّل بعد بضع ساعات؛ لكن الله –سبحانه وتعالى- قد أوقف جميع الوظائف الحيوية وأبقى الأجسام في صورة حياة، كما يتمّ حفظ الأعضاء اليوم؛ مثل ضغط الدم والقرنية والكلى والكبد والقلب وغيرها لحين زراعتها في أشخاص آخرين، وكذلك ما نراه اليوم من إمكانية حفظ الأجنة وإلى عودة الحياة لأشخاص دفنوا تحت الجليد لعدة أيام ثم عادت إليهم الحياة بعد تدفئتهم، خاصة لصغار السن، فيمكن بالتبريد وقف جميع عمليات الهدم التي تتسبّب في دمار الأنسجة . ( )

    تنبيــــــــــــــــــــــــه
    أقول : لقد غاب عن هذا الباحث أن ما حدث لأصحاب الكهف كان كرامة لهم والكرامات أمور خارقة للعادة يعني لا تخضع لنواميس الكون ولا يمكن أن تعلل أو تحلل تعليلا وتحليلا علميا إذ أنها لا تخضع للعلم التجريبي فهي أمور غيبية ، و مهمة العلم فقط يقربها إلى الأذهان لا أن يحللها فالكرامات أمور خارقة للعادة خارجة عن الأسباب المادية .
    نفحات من صحبة الصالحين سار الفتية في طريقهم نحو الكهف ، فتبعهم كلب لعله كان لأحدهم ولازمهم .
    ولقد تكرر ذكر هذا الكلب في ثنايا القصة أربع مرات وفي هذا ما يدل على شرف صحبة الصالحين .
    قال تعالى ]وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ والوصيد فناء الكهف و قيل: عتبته أو بابه .

    و المعنى كانوا على ما وصف من الحال و الحال أن كلبهم مفترش بذراعيه باسط لهما بفناء الكهف و فيه إخبار بأنهم كان لهم كلب يلازمهم و كان ماكثا معهم طول مكثهم في الكهف.
    فائدة : ورد ذكر كلبهم في القصة أربع مرات ، وقد شغل هذا الكلب اهتمام بعض المفسرين والباحثين فاستطردوا إلى الحديث عن اسمه ولونه وعن قصة لحاقه بهم فاهتموا بتفصيلات لا فائدة منها ولا ثمرة في البحث عنها ، غير أنها تدل على ثمرات الصحبة الطيبة وعموم نفعها وشمول بركتها كالغيث أينما وقع نفع ، فهذا كلب جاء ذكره في أشرف الكتب التي نزلت على أشرف الرسل  بمجرد سيره وراء الصالحين وحرصه على ملازمته ألا يدل ذلك على شرف الصحبة الطيبة ورفعتها ؟
    فائدة :

    قال ابن كثير رحمه  ” وشملت كلبهم بركتهم فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذه صحبة الأخيار فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن ” . ( )
    قال ابن عطية: وحدثني أبي رضي الله عنه قال سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة: إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم؛ كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره  في محكم تنزيله .

    ” قلت: إذ كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته ومخالطته الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله تعالى بذلك في كتابه جل وعلا فما ظنك بالمؤمنين الموحدين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكمال، المحبين للنبي صلى الله عليه وسلم وآله خير آل “.

    وفي الصحيح عن أنس بن مالك قال: بينا أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم خارجان من المسجد فلقينا رجل عند سدة المسجد فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أعددت لها) قال: حب الله ورسوله. قال: (فأنت مع من أحببت). في رواية قال أنس بن مالك: فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فأنت مع من أحببت). قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم.

    قلت: وهذا الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين كل ذي نفس، فكذلك تعلقت أطماعنا بذلك وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن وإن كنا غير مستأهلين ؛ كلب أحب قوما فذكره الله معهم فكيف بنا وعندنا عقد الإيمان وكلمة الإسلام، وحب النبي صلى الله عليه وسلم، “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا” [الإسراء: 7].

    ] لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا  أي لو أشرفت عليهم وهم نيام في كهفهم على هذه الحال لوليت منهم فرارا من الوحشة والرهبة التي حفظهم الله بها ، ولملئت منهم رعبا حين تطبع صورتهم في ذهنك فلا تكاد تفارقك ، وقرئ ( ولملِّئت ) بالتشديد مبالغة في الفعل أو تكراراً له .

    وعن سر تقديم الفرار على الرعب يقول أبو السعود : ” ولعل تأخير هذا عن ذكر التولية للإيذان باستقلال كل منهما في الترتب على الإطلاع إذ لو روعي ترتيب الوجود لتبادر إلى الفهم ترتب المجموع من حيث هو هو عليه وللإشعار بعدم زوال الرعب بالفرار كما هو المعتاد .

    وليس السبب في هذا الرعب والتولي هو ما زعمه بعض المفسرين أن شعورهم وأظفارهم طالت ؛ إذ لو كان الأمر كذلك لكان أول تساؤل لهم بعد أن استيقظوا من نومهم كما سيأتي بيانه في الآية التالية .

    من الكهف إلى المدينة

    ]وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا {19} إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا {20} 
    يقظة وحيرة …. وحذر وحيطة

    كان أول تساؤل لهم حين قاموا من نومهم فقال بعضهم (كَمْ لَبِثْتُمْ ) فأجاب آخرون (لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) وغاب عنهم أنهم ناموا مئات السنين ، فرد عليهم آخرون ]قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا  أي أشهى وأطيب ، وقيل هو الحلال الطيب ، فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) أي فوضوا أمر ذلك إلى الله تعالى وانشغلوا بما يصلحكم وهو إحضار الطعام .
    أقول وفي هذا دليل على أنهم لم ينووا طول البقاء في الكهف وإلا لتزودوا بما يكفيهم من الطعام والشراب مدة لبثهم فيه
    .
    وفيه أيضا إشارة إلى وجوب تفويض العلم إلى الله عز وجل وعدم القطع في المسائل بدون أدلة قطعية .

    وفيه أيضا من آداب الصحبة : إسداء النصح وتقبله وحسن الحوار وترك الجدال .
    ومراعاة الحذر والحيطة ، وأن التوكل على الله عز وجل واليقين به لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب
    وفيه جواز الوكالة في البيع والشراء والشركة في المطعم والمشرب .

    وفيها أيضا جواز التمتع بالطيبات كالماء البارد واللحم والفاكهة وغير ذلك ،مع القصد والاعتدال ، ولا يتنافى ذلك مع الزهد والورع قال سبحانه وتعالى ]قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ {32} قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ {33} وفي حملهم النقود مع صدق توكلهم على الله رد على من يتواكل بحجة التوكل فربما خرج بدون أخذ بالأسباب أو حمل للمال بدعوى التوكل .

    قال النسفي :” وفي هذا دليل على أن حمل النفقة وما يصلح للمسافر هو رأي المتوكلين على الله دون المتكلين على الاتفاقات وعلى ما في أوعية القوم من النفقات “.
    ]فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًاأي يبالغ في الحذر والحيطة ، والتخفي أو يتلطف في الشراء فلا يتعنت مع البائع أو يبخسه حقه أو يتلطف مع البائع فلا يغبنه ، قال النسفي :”وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن أو في أمر التخفي حتى لا يعرف “

    ]إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا {20}
    أي لو عرفوا مكانكم وتمكنوا منكم فلن تسلموا منهم ، وفي هذا ما يدل على أنهم كانوا مهددين مطاردين ، بعد أن أمهلهم الملك بالعودة إلى دينه ، ففروا بدينهم وقد أرخى الليل سدوله ثم وصلوا إلى الكهف .

    ( يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ) بناء على ما توعدكم به إن لم ترجعوا إلى دينهم فإما الرجم حتى الموت وإما البقاء مع العود إلى ملتهم وفي هذا من الخسران ما فيه .

    (وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) قال البقاعي رحمه الله : “أي إذا عدتم فيها مطمئنين بها ؛ لأنكم وإن أكرهتم ربما استدرجكم الشيطان بذلك إلى الإجابة حقيقة ” .
    وقال الرازي رحمه الله :”فإن قيل أليس أنهم لو أكرهوا على الكفر لم يكن عليهم مضرة فكيف قالوا (وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) قلنا يحتمل أن يكون المراد أنهم لو ردوا هؤلاء المسلمين إلى الكفر على سبيل الإكراه بقوا مظهرين لهذا الكفر مدة فإنه يميل قلبهم إلى ذلك الكفر ويصيرون كافرين في الحقيقة ، فهذا الاحتمال قائم فكان خوفهم منه والله أعلم ” .

    أقول لقد تذكرت والذكرى مؤرقة إخواننا في الأندلس لما تمكن النصارى الأسبان منهم أجبروا من لم يتمكن من الفرار على ترك الإسلام ونسيان لغة القرآن ففر من فر بدينه وبقي من بقي على دينه خفية لا يستطيع أن يجهر به وإلا فإن محاكم التفتيش حيث العذاب صنوف وألوان وأجبروا على دخول الكنائس وممارسة شعائر النصرانية حتى ولد من أصلابهم من يقول بمقولة النصارى الكاذبة ويعتقد دينهم الباطل بل وربما كان من بين ذرياتهم من يناصب الإسلام والمسلمين العداء ويتعصبون للصليب وينتمون لليمين المتطرف الناشط في هذه الأيام في أسبانيا والذي يطالبون الآن بطرد العرب المقيمين فيها ، وقد خفي عليهم وغاب عنهم أن هذا الدين الذي يبارزونه العدوان هو دين أسلافهم ؛ أجبروا على التخلي عنه بالحديد والنيران .

    .

    .

    الى اللقـــــــــــــــــــــــــــــــــــاء في حلقة اخرى

مشاهدة مشاركة واحدة (من مجموع 1)
  • يجب تسجيل الدخول للرد على هذا الموضوع.