المنتدى المنتديات العلمية القرآن الكريم وعلومه منتدى القرآن العام سلسة تأملات في سورة الكهف..الشيخ/أحمد محمد الشرقاوي الجزء الثاني

مشاهدة مشاركة واحدة (من مجموع 1)
  • الكاتب
    المشاركات
  • #1020

    [IMG]http://forum.sh3bwah.maktoob.com/attachment.php?attachmentid=12008&stc=1&d=1179224477[/IMG]

    شتان بين مشرق ومغرب

    ولنقارن أيضا بين صاحب الجنتين الذي اغتر بجنتيه وجحد النعمة وتمادى في الضلال وبين صاحبه الذي يذكره بالله ، وبين صاحب الجنتين وبين ذي القرنين الذي يتذكر دائما فضل الله عليه ورحمته به ويلهج دائما بحمده تعالى على ما أولاه من النعم وأسداه من الكرم ، وكيف وظف هذه النعم في نشر الحق والفضيلة في أرجاء الأرض .
     قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا {94} قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا {95} آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا {96} فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا {97} قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا {98}

    • من هنا تتجلى لنا الصلة بين قصة أصحاب الكهف وبين القصص الأخرى التي انتظمتها هذه السورة الكريمة حيث تدور حول الابتلاء بزينة الدنيا وموقف الناس منه .

    وبضدها تتبين الأشياء

    • وإذ قد بينت لنا السورة حقيقة الزينة الفانية التي جعلها الله امتحانا وابتلاء ليبلونا أينا أحسن عملا فلقد جاءت الآيات توضح لنا الزينة الحقيقية الباقية وهي في نعيم الجنة الباقي وما يقرب إليه من الباقيات الصالحات ، قال تعالى  إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا {30} أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا {31}
    وقال سبحانه  الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا {46}
    وقال جل وعلا  إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا {107} خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا {108}

    وجه آخر للمناسبة
    • ومن أوجه المناسبة بين قصة أصحاب الكهف و المقاصد الرئيسية لسورة الكهف أنها خطت لنا طريق النجاة من الفتن حيث تعرض الفتية لفتنة عظيمة عصمهم الله منها ، حين سعى الملك إلى فتنتهم في دينهم واستغل سلطانه في مساومتهم على الحق وإغرائهم بكل المغريات كما استخدم فتنة التهديد والوعيد فضلا عن فتنة الضغوط العائلية ؛ فهم من أسر لها مكانتها ووجاهتها ، فعصمهم الله تعالى من كل تلك الفتن لما خلصت نيتهم وصفت سريرتهم وصدق توجههم إلى الله تعالى .

    • وهكذا نجد السورة الكريمة تبرز لنا طريق النجاة من جميع الفتن فتنة السلطان وفتنة الأهل والعشيرة وفتنة المال وفتنة الولد وفتنة العلم وفتن الأعداء وفتنة إبليس اللعين وفتنة العلم والملك والولد من خلال قصة أصحاب الكهف وصاحب الجنتين وقصة موسى مع الخضر ، وفتنة القوة والتمكين من خلال قصة ذي القرنين ، وفتنة يأجوج ومأجوج وفتنة الفرق الضالة الناكبة عن الحق كالخوارج وغيرهم والذين قال عنهم رب العالمين في ختام سورة الكهف  قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا {103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا {104} أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا {105} ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا {106} 

    • لذلك فلا عجب أن نجد من خواص هذه السورة الكريمة ومن جملة فضائلها أنها عصمة لقارئها من الفتن :

    • روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عَنْ أَبِي الدّرْدَاءِ أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، عُصِمَ مِنَ الدّجّالِ”. ( )

    • وعن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين ) ( ).
    فهي نور وضياء لقارئها تبدد ظلمات الفتن وهي عصمة لقارئها من فتنة عظيمة ألا وهي فتنة المسيح الدجال عصمنا الله منها ؛ وذلك من ثمرات قراءتها ،ومن خلال ما قدّمَتْه من مفاتيح للتعامل مع مغاليق الفتن وتحصينات من الاغترار بزينة الدنيا وزخارفها ، وبهارج الباطل وأهله .

    سبب نزول هذه القصة

    ذكر ابن إسحاق أن قريشا بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود وقالوا لهما: سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله؛ فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ليس عندنا من علم أنبياء؛ فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله  ووصفا لهم أمره، وأخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم؛ سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان أمرهم؛ فإنه قد كان لهم حديث عجب ، وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه. وسلوه عن الروح، ما هي ؛ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة على قريش فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد  قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها، فإن أخبركم عنها فهو نبي، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم. فجاءوا رسول   فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، قد كانت لهم قصة عجب، وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح ما هي؟ قال فقال لهم رسول  صلى  عليه وسلم: (أخبركم بما سألتم عنه غدا) ولم يستثن. فانصرفوا عنه، فمكث رسول  صلى  عليه وسلم فيما يزعمون خمس عشرة ليلة، لا يحدث  إليه في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة ليلة، وقد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه؛ وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف ، ( ) وورد ذكر الروح في سورة الإسراء .

    في رحاب القصة
    مطلع القصة وبراعة الاستهلال

    • بدأ السياق بهذا الأسلوب الشيق أسلوب الاستفهام التعجبي  أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا {9}  فنحن أمام قصة عجيبة ، وإن كان هناك ما هو أعجب منها ، فخلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار وآيات الأنفس والآفاق وعالم النبات وعالم البحار فضلا عن عالم الغيب وما فيه من حكم وأسرار ودقائق وأخبار وغير ذلك من عجائب صنع الواحد القهار .
    قال الرازي رحمه الله : “اعلم أن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنها الرسول e على سبيل الامتحان فقال تعالى : أم حسبت أنهم كانوا عجبا من آياتنا فقط ، فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب ، فإنه من كان قادرا على خلق السموات والأرض وتزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان ثم بعد ذلك يجعلها صعيدا جرزا خالية عن الكل كيف يستبعدون من قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفة مدة ثلاثمائة سنة وأكثر في النوم ، هذا هو الوجه في تقرير النظم والله أعلم ” ( ) .

    • فلكم يغفل كثير من الناس عن النعم الظاهرة والآيات الباهرة لكونها مألوفة لهم ، بل وقد يغفلون عن شكر النعم الظاهرة كنعمة السماء والأرض والشمس والقمر والليل والنهار .
    فيا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
    ولله في كل تحريكــة وتسكينة في الورى شاهد
    وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
    والكهف هو المغارة الواسعة ، أما الرقيم فهو العلامة أو الكتابة أو الرسم على الشيء ومعناه هنا قيل هو اللوح الذي سجلت عليه أسماؤهم وقيل كتاب دونت فيه أسماؤهم وقيل اسم الجبل وقيل اسم القرية.
    قال سعيد بن جبير ومجاهد : الرقيم لوح من حجارة وقيل من الرصاص كتب فيه أسماؤهم وقصتهم وشد ّ ذلك اللوح على باب الكهف . ( )
    والذي أرجحه : أنه اسم اللوح أو الكتاب الذي سجلت فيه أسماؤهم وسمي بذلك لأن أسماءهم كانت مرقومة عليه أي مكتوبة .
    ومن غرائب التفسير من زعم أن الرقيم هو اسم كلبهم وأغرب منه من ادعى أنه قصة الثلاثة نفر الذين انسد عليهم باب الغار ( )

    مكان الكهف وزمان أصحابه

    أما عن مكانه فقيل بالشام وقيل ببلاد الروم وجاء في مجلة العربي الكويتية ( ) ” إن عالم الآثار الأردني ( رفيق وفا الدجاني ) اكتشف عام 1963م عند منطقة الرحيب بالأردن ، مغارة الكهف التي اتخذها أصحاب الكهف مرقداً لهم حين دخلوها هاربين بأنفسهم .
    وأغرب بعضهم في بيان مكان الكهف وزمانه حتى قالوا بأن الكهف المشار إليه كان في بلاد الأندلس ، قال أبو حيان في البحر المحيط : “وبالأندلس في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب ، وأكثرهم قد تجرد لحمه وبعضهم متماسك، وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم أثارة. ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف، دخلت إليهم ورأيتهم سنة أربع وخمسمائة وهم بهذه الحالة، وعليهم مسجد، وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم، كأنه قصر مخلق قد بقي بعض جدرانه، وهو في فلاة من الأرض خربة، وبأعلى غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة دقيانوس، وجدنا في آثارها غرائب من قبور ونحوها ، … قال والدي فسح الله في مدته وحين كنا بالأندلس كان الناس يزورونه … وأما ما ذكر من مدينة دقيانوس التي بقبلي غرناطة فقد مررت عليها مرارا لا تحصى وشاهدت فيها حجارة كبارا ويترجح كون أهل الكهف بالأندلس لكثرة دين النصارى بها حتى إنها هي بلاد مملكتهم العظمى ( ) ولأن الإخبار بما هو في أقصى مكان عن أرض الحجاز أبعد أن لا يعرفه أحد إلا بوحي من الله ” ( ) .

    أقول : ما استشهد به الإمام أبو حيان لا يعتد به فزعم النصارى ليس بحجة فقد يوهمون الناس بأن هذه المغارة أو تلك هي الكهف حتى يتردد الناس عليها ويزورونها فينتفع بزيارتهم أصحاب المكان ويضفى عليه قداسة تجعل له قيمة ومنزلة تعود بالدراهم والدنانير على من روج لهذا الإدعاء ، وأما استشهاده بكثرة النصارى في تلك البلاد فليس هذا دليلا على أن هذا الكهف هو المذكور في القرآن فللنصارى تواجد في بلاد أخرى عديدة وأما استناده إلى بُعْدِ كهف الأندلس عن الجزيرة : فلقد غاب عنه البعد الزماني للقصة فلا عبرة ببعد هذا الكهف عن مهبط الوحي لأن العبرة بالبعد الزماني الذي جعل هذه القصة مطوية منسية حتى عن كثير من النصارى فضلا عن اليهود .
    وللإمام القرطبي رد على هذا الزعم حيث قال في تفسيره : ما ذكر من رؤيته لهم بالأندلس فإنما هم غيرهم، لأن الله تعالى يقول في حق أصحاب الكهف: ]لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا” [الكهف: 18]. وقال ابن عباس لمعاوية حينما كانا في غزوة ببلاد الروم لما أراد رؤيتهم: قد منع الله من هو خير منك عن ذلك . ( ) .
    وكما اختلفوا في مكانهم فلقد اختلفوا في زمانهم حتى زعم بعضهم أنهم كانوا قبل عيسى وأغرب بعضهم فزعم أنهم كانوا قبل موسى  لأن اليهود كانوا على معرفة بهم والذي أرجحه والله أعلم أنهم كانوا بعد عيسى  وقبل بعثة نبينا محمد  ، ومعرفة اليهود بهم ليست دليلا قاطعا على كونهم قبل موسى أو بعده ، لأنه لا تلازم بين ما يعرفونه وما يؤمنون به فقد يعرفون شيئا لكنهم لا يؤمنون به ، ومن ذلك معرفتهم بالمصطفى  ومع ذلك لا يقرون برسالته ولا يؤمنون بنبوته .
    قال تعالى ] الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِن َّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {146}[ سورة البقرة
    وقال سبحانه] الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ {20}[ سورة الأنعام

    • لكن الذي أراه هو البعد عن هذه التفصيلات التي لم ترد في القرآن والسنة ولو كان لمعرفتها عظيم فائدة لوردت وإنما العبرة بما في القصة من مقاصد ومعان ودروس وعظات ، ولقد نهانا الله جل وعلا عن الاستطراد إلى ما لم يرد فيه نص صحيح في شأن هذه القصة كما نهانا عن الرجوع إلى مسلمة أهل الكتاب لنستأنس بما لديهم في شأنها قال تعالى ] فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاء ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا {22}[

    • والذي يفيده السياق أنهم عاشوا في زمان ملك كافر مشرك ظالم غاشم يحمل الناس على الكفر ويستعين بمن معه من الكهنة والسدنة الذين يرسخون مفاهيم الكفر في الناس ويصرفون أنظار الناس إلى الخرافات والأساطير والأعياد والملاهي والطقوس التي تربط الناس بآلهتهم التي عبدوها من دون الله ، ولما شرح الله صدور أولئك الفتية وكانوا من علية القوم وتآلفت قلوبهم وتعارفت أرواحهم واجتمعت كلمتهم على رفض ما عليه قومهم من ضلال ، بل والإنكار عليهم ودعوتهم إلى الحق فرفع أمرهم إلى الملك الظالم ولم تجد معهم الوعود والإغراءات فتوعدهم وهددهم إن لم يرجعوا إلى دينه ودين أتباعه ، وأمهلهم ، وقبل انقضاء المهلة لم يجدوا بُدّاً من الفرار بدينهم فخرجوا تحت جنح الظلام وساروا حتى وصلوا إلى كهف في جبل رأوا أن يناموا فيه على أن يواصلوا بعد ذلك سيرهم .

    عرض موجز للقصة

    ]إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا {10}[
    ليمكثوا فيه بعيدا عن أعين الراصدين لهم والباحثين عنهم من قبل الملك الذي أرسل في طلبهم من يأتي بهم بعد أن هربوا من بطشه وظلمه .
    جمعوا بين الأخذ بالأسباب والتوجه إلى العزيز الوهاب فقالوا ( رَبَّنَا ) : وفي التعبير بعنوان الربوبية تأدب مع الله تعالى ، أي يا من خلقتنا ورزقتنا وهديتنا ] آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا [ ، دعاء صادق من قلوب خالصة ونفوس زكية ترجو رحمة ربها وتلتمس رشده ، فكان أن عمهم الله بفضله وشملهم برحمته وأحاطهم بعنايته .

    • وفي هذا درس عملي للدعاة والمصلحين أن لا يغفلوا عن سلاح الدعاء مع مراعاة الأدب مع الله ، وانتقاء العبارات المناسبة فلكل مقام مقال ، وفي القرآن الكريم والسنة النبوية أدعية مباركة لها دلالتها وخواصها وآثارها وفعاليتها ، فأهل الكهف التمسوا أمرين مهمين هما رحمة الله بهم وإرشاده لهم ، وفي طلبهم للرحمة مع الرشاد ما يدل على أنهم ماضون في طريق الحق ثابتون عليه مهما كلفهم من تضحيات .

    • وتتجلى أهمية هذا الدعاء للدعاة والمصلحين حين يواجهون المحن والابتلاءات والفتن والعقبات أو تتشعب بهم الآراء ، أو يقفون على مفترق الطرق .
    ] فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا {11}[
    فالسمع هو الوسيلة الرئيسة في تنبيه النائم خاصة من ينام بمعزل عن الناس ، والنائم لا يسمع في العادة ما حوله من أصوات بمجرد استغراقه في النوم .
    ]ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَي الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا {12}[

    أي ليتحقق ذلك الذي في علم الله تعالى عيانا ، حيث يصير هذا العلم واقعا معاينا ، فيتبين أي الحزبين أحصى أمدهم أي مدة لبثهم في الكهف حيث صارت تلك المدة موضع خلاف بين العلماء ، أو المراد بالحزبين أهل الكهف حيث زعم بعضهم أنهم لم يلبثوا إلا يوما أو بعض يوم وبعضهم ظن أن المدة طالت فتوقف وفوض علم المدة إلى الله كما سيأتي بيانه في الحوار الذي دار بينهم عندما انتبهوا من نومهم فتساءلوا بينهم قال تعالى]وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ {19}[

    .
    .

    هذا ولنا لقاء في جزء اخر بإذن الله

مشاهدة مشاركة واحدة (من مجموع 1)
  • يجب تسجيل الدخول للرد على هذا الموضوع.