المنتدى الأطياف الطيف العام تطوير الذات جهـــاز كشف الخطـــــأ.. "للشيخ سلمان العودة"..

مشاهدة 7 مشاركات - 1 إلى 7 (من مجموع 7)
  • الكاتب
    المشاركات
  • #482
    راوية
    مراقب

    جهاز كشف الخطأ

    سلمان بن فهد العودة


    يُؤثر عن الشافعي -رحمه الله- أنه كان يقول: الكيّس العاقل هو الفَطِن المتغافِل.

    وسُئِل الإمام أحمد -رحمه الله- عن رجل يقول: التغافل تسعة أعشار العقل؟

    فقال: بل هو العقل كله.

    وفي مأثور كلام العرب :

    لَيسَ الغَبِيُّ بِسَيِّدٍ في قَومِهِ

    لَكِنَّ سَيِّدَ قَومِهِ المُتَغابي

    وهذا المعنى أصيل في القرآن والسنة.

    فالله تعالى يذكر (الإعراض) في مواضع من كتابه كالآيات(16) و (63) و (81) من سورة النساء و(42) سورة المائدة و (68) و (106) سورة الأنعام و(199) سورة الأعراف و(76) سورة هود و(29) سورة يوسف و(94) سورة الحجر و(29) سورة النجم.

    ويُذكر عن يوسف -عليه السلام -موقفه من التهمة ( فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ: أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ)[يوسف:77].

    روى العوفي عن ابن عباس أنه أسرّ هذا القول، وهو (أنتم شرٌّ مكاناً).

    وفي البخاري باب مَنْ لَمْ يُوَاجِهِ النَّاسَ بِالْعِتَابِ. وساق فيه حديث عَائِشَة أَنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِي – صلى الله عليه وسلم – فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: ( بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ )، فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِي – صلى الله عليه وسلم – فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: ( يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ).

    قد أفاد ابن حجر -رحمه الله- في الفتح أن هذا من باب المدارة لا المداهنة؛ إذ المدارة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معاً وهي مباحة وربما استُحِبّت.

    والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا والنبي -صلى الله عليه وسلم- إنما بذل له من دنياه حسنَ عشرته والرفق في مكالمته ولم يمدحه فلم يناقض قولُه فيه فعلَه؛ فقولُه حقّ وفعلُه حسن عشرة.

    وفي البخاري عن أَنَسٍ – رضي الله عنه – قَالَ:”خَدَمْتُ النَّبِي – صلى الله عليه وسلم – عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ، وَلاَ لِمَ صَنَعْتَ وَلاَ أَلاَّ صَنَعْتَ”.

    إن من رداءة طبع المرء ودناءة نفسه أن تكون عينه مفتوحة إلى النهاية على الآخرين، هذا فَعَلَ، وهذا تَرَكَ، وهذا قال، وهذا تغيّر وجهُه، وهذا زاد، وهذا نقص…

    وقد يرى أن من التذاكي والفطنة أن يرقب الناس، ويدوّن حركاتهم وسكناتهم، وما يدور حولهم…

    فإن قيل له: هذا غيبة. قال: هذه ملاحظات وتقويم!

    وإن قيل: دعِ الخلْق للخلاّق. قال: قد كان فلان وفلان!

    وإن قيل: رحم الله امرأً شغله عيبُه عن عيوب الناس أجاب بأن في الوقت بركة، ونحن في مقام الاعتبار!

    والحقّ أن العاقل يتجاوز عن كثير مما يسمعه؛ لأنه قابل للصدق والكذب.

    ويتجاوز عن كثير مما يعلمه صدقاً؛ لأنه يعرف أو يلتمس عذر صاحبه، وما حمله على الفعل.

    ويعلم أن باب الخطأ والصواب يعرض له التأويل والاختلاف، وكلما اتسع عقل المرء ازداد عذرُه للناس والخطأ الذي لا تأويل فيه هو من طبيعة البشر، قضت بذلك سنة الباري تعالى، وقرّره صريح القرآن وصحيح السنة في مواضع يعزُّ إحصاؤها.

    وسبحان الله!

    فإن الأخلاق الفطرية التي تقبلها النفوس الكريمة هي من مطالب الشريعة ومقاصدها، وجاء الدين ليكمّلها ويؤصّلها ويَعِدُ بالأجر والثواب عليها، كما في الموطأ مرفوعاً ( إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ).

    يقول صيفي بن رباح: شرُّ النصرة التعدي، وأسوأ الأدب كثرة العتاب.

    وكثرة العتاب فرع عن كثرة العيب والملاحظة والنقد، وهذا المعاتب كأنه يضع نفسه وقناعته وميله أصلاً يحتكم إليه ويراجعه، فمن لم ينسجم معه وضعه أمام ناظريه، وصعّد فيه النظر وصوّبه، وتحسسه ذات اليمين وذات الشمال ولن تعدم الحسناء ذامًّا.

    وفي الأثر: ” يُبْصِرُ أَحَدُكُمْ الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ وَيَنْسَى الْجِذْعَ فِي عَيْنِهِ”
    ولفيلسوف الشعراء المتنبي:

    لِهَوى النُفوسِ سَريرَةٌ لا تُعلَمُ /// عَرَضاً نَظَرتُ وَخِلتُ أَنّي أَسلَمُ

    وأولى ما راقبه المرء: نفسه، وأعظم ما تفقّده: مقصده، وأحق ما سجنه: لسانه.

    كان ابن القيم -رحمه الله- يقول: في النفس كِبر إبليس، وحسد قابيل، وعتوّ عاد، وطغيان ثمود، وجرأة النمرود، واستطالة فرعون، وبغْي قارون، وهوى بلعام، وفيها من أخلاق البهائم: شَرَه الكلاب، ورعونة الطاووس، وعقوق الضبّ، وحقْد الجمل، وصولة الأسد، وفسق الفأرة، غير أن الرياضة والمجاهدة تُذهب ذلك كله.

    والكثيرون الكثيرون يبدون وكأنهم فرغوا من أنفسهم، ولانت لهم واستقادت، وكأنها مخازن للهداية والبر والصفاء، فيُخفقون في أول اختبار حينما يجعلون لأنفسهم الحسنى، ثم يجعلون لغيرهم العيب والنقص والفجور.

    ومن المتقرر أنك لا تكاد تجد امرأً يراقب نفسه ويعيبها ويخزمها إلا وتجد الناس قد سلموا منه إلا من خير.

    يقول ابن المبارك رحمه الله: المؤمن طالب عذر إخوانه، والمنافق طالب عثراتهم.

    إن الآخرين منك بموضع النظر فهم أمامك، وعينك تشاهدهم، وأذنك تسمعهم، وهم شيء آخر غيرك، تخفى عليك شؤونهم وأحوالهم.

    بينما النفس ليست بمحلّ النظر، والسريرة قد تخفى حتى على صاحبها، وهناك ما هو أخفى منها (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)[طه:7]؛ ولذا يطمح البصر إلى رؤية الآخرين أكثر مما يطمح إلى رؤية الذات.

    وتملك النفس من حاسة النقد للآخرين الكثير، بينا هي مع ذاتها في مقام التسليم والموافقة والانسجام، وهذا من أسباب التعصّب للرأي والإصرار عليه، والاستخفاف برأي الآخرين ومصادرته.

    هذا شأننا جميعاً، بيد أننا قد نتفاوت بحسب يقظة المرء لنفسه, وإدراكه لسطوتها عليه، ومراجعته بين الفينة والفينة لذاته، وممارسة اللوم والعتاب عليها (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)[القيامة:2].

    ويكفي أن يسأل المرء نفسه هذا السؤال:

    هل أراقب نفسي كما أراقب الآخرين؟ إن الميزان يختلف!!

    أَنظري ينصرف تلقائياً للجانب الحسن من الأشياء والأشخاص أم للجانب السلبي المعتم؟

    أَإجابتي عن هذا السؤال إجابة صادقة مدروسة أم إنها نوع تمرير وتخلّص وتملّص وقول معتاد مكرور؟!

    والله أعلم ببواطن الأمور وذوات الصّدور.

    أتمنى أن ينال رضى الله عزوجل ثم رضاكم ..تم الاخراج مع بعض التعديل من سفينة الإخاء
    #8626
    5b68920eb0.gif

    cid_001c01.gif

    #8625
    أميرة
    مراقب

    انتقاء رائع للموضوع

    صدق والله ولا فض فوه

    Quote:
    وتملك النفس من حاسة النقد للآخرين الكثير، بينا هي مع ذاتها في مقام التسليم والموافقة والانسجام، وهذا من أسباب التعصّب للرأي والإصرار عليه، والاستخفاف برأي الآخرين ومصادرته.

    أسأل الله أن يغفر لنا ويقل عثراتنا

    أإجل التحايا

    #8621
    راوية
    مراقب

    @رياحين الإخاء 3758 wrote:

    5b68920eb0.gif

    cid_001c01.gif

    بوركت أيامكِ بطاعة الرحمن ..

    أسعدني تواجدك

    #8622
    راوية
    مراقب
    أميرة;4036 wrote:
    انتقاء رائع للموضوع

    صدق والله ولا فض فوه

    أسأل الله أن يغفر لنا ويقل عثراتنا

    أإجل التحايا

    حياكِ المولى ..

    آميين..شكرالله لك هذا الحضور الطيب

    #8624

    نعم بالتأكيد لا يوجد انسان بدون خطأ
    و لولا التغافل لفسدت علاقات الناس مع بعضهم
    و لكن إذا أراد حقاً أن يبين لمن أمامه عن خطأ وقع فليكن ذلك بالحسنى
    لأن النفس أيضاً لا تحب من يكثر عتابها و تصيد أخطائها

    بارك الله في نقلكِ و إخراجكِ الرائع للموضوع

    #8623
    راوية
    مراقب
    .. متفائلة ..;4150 wrote:
    نعم بالتأكيد لا يوجد انسان بدون خطأ
    و لولا التغافل لفسدت علاقات الناس مع بعضهم
    و لكن إذا أراد حقاً أن يبين لمن أمامه عن خطأ وقع فليكن ذلك بالحسنى
    لأن النفس أيضاً لا تحب من يكثر عتابها و تصيد أخطائها

    بارك الله في نقلكِ و إخراجكِ الرائع للموضوع

    بوركت أناملكِ ياغالية ..

    أسعدكِ الله

مشاهدة 7 مشاركات - 1 إلى 7 (من مجموع 7)
  • يجب تسجيل الدخول للرد على هذا الموضوع.