المنتدى الأطياف الطيف العام المنهج السلفي والثبات على المواقف؟!

مشاهدة مشاركة واحدة (من مجموع 1)
  • الكاتب
    المشاركات
  • #2025

    .

    بسم رب العرش ربي



    من أعظم ما يُنعم الله به على مسلمٍ هو معرفةُ الحق والثبات عليه ؛ ويتأكد هذا الإنعام وتعظمُ ثمرته إذا أنعمَ الله به على عالم أنارَ اللهُ بصيرتَهُ وعرّفـهُ الحـقَّ بأدلته ثم ثبّته عليه ؛ فأخذه بقوة وأمر قومه يأخذوا بـأحسنها .

    ومن تأمّـل سيرَة العلماء الراسخين رحمهم الله وجدَ عند كثيرٍ منهم مواقف عظيمة؛بيّنوا من خلالها الحق الذي عرفوه ولم يكتموه ولم تلتبس عليهم مصالح الإعلان بمفاسدِ الكتمان! لذلك صدرت عنهم فتاوى وتقريرات كان لها أعظم الأثر وأبلغه في تصحيح المفاهيم وبيان الدين .

    ومن أمثال هذه النماذج الفريدة:

    فتوى الإمام أحمد في (فتنة خلق القرآن ) فمع كثرة الضغوط وتكالب الخلفاءُ والأمراء ومن أعانهم من العلماء وأشباههم لثني الإمام عن موقفه ؛إلا أنه استعان بالله ثم بما استقر عنده من قواعد علمية يفهمُ من خلالها مرادَ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم {ومن لم يجعل اللهُ له نورا فما له من نور } وبفتواه رحمه الله بأن القرآن منزّل غير مخلوق رسم للأمة منهجاً صحيحاً وأبطل عقيدةً فاسدة ؛ ثم ماذا : مات الإمامُ ومات سجّانوه ومعذبوه ومات قادةُ الفتن والأهواء؛ وبقيت فتاواه والحق الذي جاهدَ من أجلهِ راسخاً في قلوب المسلمين. والله غالبٌ على أمرهِ ولكنّ أكثرَ الناسِ لايَعْلمون!
    كذلك موقفُ الإمامِ مالكٍ رحمهُ الله من مسائل الخلطِ في صفاتِ الله تعالى ؛حيثُ كان موقفهُ حاسماً واضحاً ثابتاً .. (الاستواء معلوم والكيف مجهول )!

    فصارت هاتان الجملتان الذهبيتان منهجاً وعقيدةً تحمي المسلم من الوقوع في الخطأ والتخليط والذي أودُ قولَه في هذا السياق هو :

    كيف تأتّى لأمثال هؤلاء الأفذاذ وغيرهم مثل هذا النفع العظيم وذلك الأثر المبارك؟ وكيف وفقوا للثبات ؟

    ولماذا لم يكن لغيرهم من السلف والخلف ومن الغابرين أو المعاصرين مثل هذا الأثر أو ذلك الثبات؟ ولهذا الفضل من الله أسبابٌ ومقدمات من أخذَ بها أخذَ بـحـظٍ وافـرٍ مـن القـبول والمـعـرفةِ والثبات .
    ومنها:

    1ـ الإخلاص : وشأنهُ عظيم وأثرُه خطير ؛ ولا يتأتى القبول والنفعُ وطيب الأثر إلا به فوجوده شرطُ صحة ؛وعدمهُ مانعُ قبول!

    2ـ منهج التلقي السليم والصحيح المستمد من منهج السلف الذي ؛ إذا أن مجردَ وجود الأدلة واستحضارها لا يكفي ما لم يكن هناك منهج علمي راسخ وواضح يستعمله العالم في
    هذا المنهج يجعل العالم يصدر في فتاواه وآرائه ومواقفه من خلال قواعد علمية (أصولية وفقهية ومقاصدية ) ومن خلال علمٍ راسخ بكتاب الله فهماً واستنباطاً وعلمٍ بسنةِ رسول الله صحيحها وسقيمها ناسخها ومنسوخها إلى آخر ماقـرّره أهل العلم في أصول الفهم عن الله وقواعده.

    هذا المنهج الذي يُقدّم النصوص ولا يتقدمها ويحتجُ بها ولا يطرحها ؛ ويوازن بينها وبين المقاصد والغايات .

    فهذا المنهج من بركاتهِ وضوح الرؤية وسلامة الفتوى في الغالب وقربها من الأدلة الشرعية.

    إن هذه المقدمات وهذه الأسباب من أظهر سمات ومميزات المنهج السلفي العلمي المعاصر وبالتالي هي من سمات علمائه وطلابه .

    وإثبات ذلك يسير ـ لمن ألقى التعصب وأجاد التأمل ـ فكثيرٌ من القضايا والنوازل سواءً الفقهية أو الفكرية تجدُ أن مواقفَ أصحاب هذا المنهج تتسمُ بالوضوحِ والقوةِ ـ لقوةِ أدلتهم وسلامة قواعدهم ـ وثالثةٌ أخرى محمودةٌ عظيمة وهي الثبات وعدم التذبذب !
    فتجد مواقف العالم من أصحاب هذه المدرسة ـ وفي غالب أحواله ـ ثابتة لا تتغير مع تغير الظروف وتوالي الأزمان مادامت المسألةُ بحيثياتها لم تتغير ـ وهذا قيدٌ مهم فتأمّل ـ

    ومن أمثلةِ هذا التأصيل ونماذجهِ القديمةِ والمُتجدِّده: الموقف من الشيعةِ والتشيع من جهة الحكم عليه كمنهج وعقيدة ومن جهة التعامل مع أهله وبالتالي مواجهة أي مد لهذا المذهب وأفكاره .

    ولم يتغير هذا الموقف مع كثرة المتغيرات وتنوع الضغوط وازديادها أو مع بريق المصالح المتوهمة أو الملغاة مثل :وحدة الصف ولو على حساب المعتقد والمنهج الصحيح !( وهي وحدةٌ متوهمة مدخولةٌ ولا شك !) أو مصلحة الاهتمام بالقضايا الكبرى للأمة !( وهل هناك أهم من قضية المعـتقـد والمـنـهـج الصـحيح في التـلقـي والفَـهم؟؟)

    فكان موقف العلماء الراسخين المنطلقين من الأدلة الشرعية بفهم السلف وقواعد أهل العلم هو موقفهم من هذا المذهب أنه مذهبٌ بدعي يُخالفُ مذهبَ أهل السنة في كثيرٍ من الأصول، وأنّ الواجب تحذير المسلمين منه ونصحَ أهلَه ودعوتهم للحق ؛والإنكار على مخالفاتهم وأصولهم الفاسدة .

    وفي المقابل تجدُ مواقفَ متذبذبةٍ متغيرة من صنفٍ آخر من العلماء ؛ الذين ـ وبحسن نيةٍ فيما يظهر ـ وقعوا في فخ المصالح المُتوَهمة أو لم يحسموا موقفهم منذ البداية ولم يعطوا النصوص والقواعد العلمية حقها من النظر والاعتبار ، حتى إذا ما وصل الخطر ووقع المحذور استيقظوا وتنبهوا وحذروا!وهو واجبٌ متعينٌ وجهدٌ مشكور ولاشك ولكنه متأخر..!

    وجملةُ القول: إن بركةَ المنهجِ الصحيح في التلقي والفَهم من ثماره: نعمتي القرب من الحق والثبات عليه ؛ ولو صادف من الناس ذلك النقد الجارح وتلك التُهمَ الجاهزةَ كمثل ( التشدد والغلو والانغلاق والجهل بالواقع والفقه البدوي …إلخ !)

    وهذا النوعُ من العلماء هم الذين تمسُ حاجة الأمةِ إليه ويعظمُ نفعه ويمتدُ أثرهُ بإذن الله

    .

    د.فهدْ بن سعد الجُهني
    أستاذ أصول الفقه المشارك

    .منقول

مشاهدة مشاركة واحدة (من مجموع 1)
  • يجب تسجيل الدخول للرد على هذا الموضوع.