المنتدى الأطياف الطيف العام إذا صح …الإيمان

مشاهدة مشاركة واحدة (من مجموع 1)
  • الكاتب
    المشاركات
  • #1969
    إشراقةأمل
    مراقب
    بسم الله الرحمن الرحيم

    إذا صحَّ الإيمان ووقر في القلبِ فاضَ على الحياة، فإذا مشَى المؤمن على الأرضِ مشى سويًّا، وإذا سار سار تقيًّا، ريحانةٌ طيّبةُ الشّذى، وشامةٌ ساطعة الضّياء، حركاته وسكناتُه إيمانيّة مستكينة، ((فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمَع به، وبصرَه الذي يبصِر به، ويدَه التي يبطِش بها، ورجلَه التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه))
    من ذاقَ حلاوةَ الإيمان طابَ عيشُه وعرف طريقَه، ومن عرف طريقَه سار على بصِيرة، ومن سارَ على بصيرةٍ نال الرّضا وبلغَ المُنى.
    نَعم، يمضِي في سبيلِه، لا يبالي بِما يلقى، فبصرُه وفكره متعلِّق بما هو أسمَى وأبقى، يـٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً [الفجر:27، 28]، أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مّن رَّبّهِ [الزمر:22].
    هَل رأيتِ ـ رحمَكِ الله ـ زِيًّا ومنظرًا أحسنَ وأجمل من سَمت الصّالحين؟! وهل رأيتِ ـ وفّقكِ الله ـ تَعبًا ونصبًا ألذّ من نعاسِ المتهجّدين؟! وهل شاهدت ـ حفِظك الله ـ ماءً صافيًا أرقَّ وأصفى من دموع النّادمين على تقصيرهم ومتأسِّفين؟! وهل رأيتَ ـ رعاك الله ـ تواضُعًا وخضوعًا أحسنَ من انحناء الراكعين وجِباه السّاجدين؟! وهل رأيتَ ـ عافاك الله ـ جنّةً في الدّنيا أمتع وأطيب من جنّة المؤمن وهو في محراب المتعبِّدين؟! إنّه ظمأ الهواجِر ومجافاة المضاجع، فيا لذّةَ عيشِ المستأنسين. هذه حلاوتُهم في التعبُّد والتحنّث.
    أمّا حلاوتُهم في سَبح الدّنيا وكدِّها وكدحِها فتلك عندهم حلاوةٌ إيمانيّة، تملأ الجوانِحَ بأقدار الله في الحياة، اطمئنانٌ بما تجري به المقادير، رضًا يسكن في الخواطِر، فيُقبِل المؤمن على دنياه مطمئنًّا هانئًا سعيدًا رضيًّا مهما اختلفت عليه الظروفُ وتقلّبت به الأحوال والصّروف، لا ييأس على ما فات، ولا يفرَح بطَرًا بما حصّل. إيمانٌ ورضًا مقرون بتوكّلٍ وثبات، يعتبِر بما مضَى، ويحتاط للمستقبَل، ويأخذ بالأسبابِ، لا يتسخّط على قضاءِ الله، ولا يتقاعَس عن العمل، يستفرغ جهدَه من غير قلَق، شعارُه ودثارُه: وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88]. موقنٌ أنّ ما أصابَه لم يكن ليخطِئَه، وما أخطأه لم يكن ليصيبَه، لو اجتمع أهلُ الأرض والسماوات على نفعِه بغير ما كتِب له فلن يستطيعوا، ولو اجتَمَعوا على منعِه ممّا قدِّر له فلن يبلُغوا، لا يهلِك نفسَه تحسّرًا، ولا يستسلِم للخَيبة والخُذلان، معاذَ الله أن يتلمّس الطمأنينةَ في القعودِ والذّلّة والتّخاذل والكسَل، بل كلّ مساراتِ الحياة ومسالكِها عنده عملٌ وبلاء وخير وعدل وميدانٌ شريف للمسابقاتِ الشّريفة، جهادٌ ومجاهدة في رَبَاطة جأش وتوكّل وصبر، ظروف الحياةِ وابتلاءاتُها لا تكدِّر له صفاءً، ولا تزعزِع له صبرًا، ((عجبًا لأمر المؤمِن، وأمرُه كلّه خير، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابَته ضرّاء صبر فكان خيرًا له، ولا يكون ذلك إلاّ لمؤمن))[4].
    بالإيمانِ الرّاسخ يتحرّر المؤمن من الخوفِ والجُبن والجزَع والضَّجر، قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَـٰنَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ [التوبة:51]، لا مانعَ لما أعطى ربُّنا، ولا معطيَ لما منَع، ولا ينفع ذا الجدِّ منه الجدّ، وربّك يبسط الرزقَ لمن يشاء ويقدر.
    حلاوةٌ ورضًا تقوم في حياة الكِفاح على هذه الأصول والمبادئ، إذا أُعطي تقبَّل وشكر، وإذا مُنع رضِي وصبَر، وإذا أمِر ائتمَر، وإذا نُهِي ازدجَر، وإذا أذنَب استغفَر.
    بهذا الإيمان وبهذا المذاقِ ينفكّ المؤمن من رِقَّة الهوَى ونزعات النّفس الأمّارةِ بالسّوء وهمزاتِ الشياطين وفِتن الدّنيا بنسائِها ومالِها وقناطيرها ومراكبها وسائر مشتهياتِها وزينتِها.
    سعادةٌ وحلاوة مِلؤها القناعة. سعادةٌ وحلاوة يتباعد بِها عن الشحِّ والتّقتير والبخل والإمساك، وينطلِق في معانِي الكرمِ والإيثار والعطاء.
    إنّ في حلاوةِ الإيمان ترطيبًا لجَفاف المادّة الطاغية، وحدًّا من غلواءِ الجشَع والجزَع، وغَرسًا لخِلال البِرّ والرّحمة، ومن ثَمّ تتنزّل السّكينة على القلوب، وتغشى الرحمةُ النّفوس، أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰتٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ [البقرة:157]، أُوْلَـئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإيمَـٰنَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ [المجادلة:22].
    من خطبةالشيخ :::صالح ابن حميد
مشاهدة مشاركة واحدة (من مجموع 1)
  • يجب تسجيل الدخول للرد على هذا الموضوع.